صورة و حديث      صورة قسم      جهوي      روابط إخبارية      روابط ثقافية      حوار      مُثير      تاريخ و جغرافيا      فيلم - مسلسل      وثائقي      إبداعات      تعزيات      مقالات رأي      عبدالله حدّاد  كـل المقـالات
إبداعات

التسامح بين الأخذ والعطاء وفلسفةالابتلاء
- بـقـلم محمد حراك
- إقـرأ لنفس الكـاتب


23 03 2019 - 12:08


 

في زحمة المواصلات الباريسية صباح يوم الجمعة 22 مارس 2019 للميلاد تسلق الشاب بصعوبة كبيرة حتى يتمكن من إدراك القطار ويكون قد تمكن من ربح دقائق معدودة ،الوقت هنا في باريس ثمين، قد يعادل الماس والذهب، هكذا تربى أفراد المجتمع وقد حق لهم ذلك لأن ضياع الوقت من أكبر "الجرائم" التي يقترفها الإنسان في حق نفسه، ومن وراء ذلك في حق المجتمع بأكمله وهو جانب مهم في بناء النسيج الاجتماعي وعلاقة الفرد بالجماعة والجماعة بالفرد.وهم القائلون:الوقت هو المال.

تمكن الشاب من الصعود وقد اجتر معه كل من هم في طريقه،ومن بينهم امرأة قد تقترب من عقدها السادس، كانت قاب قوسين أو أدنى من السقوط على الأرض...

بين من يهدد الشاب، ومن يؤنبه ومن يرميه بأحقر الأوصاف وهو بين الرد على هؤلاء وبين الدهشة، وقفت الضحية بشموخ وابتسامة مرسومة على وجهها زادتها احتراما ووقارا قائلة «اتركوه وشأنه، لا عليك يا إبني أنا بخير، وهذا هو المهم».

لم أتمالك نفسي وعواطفي وأحسست بقلبي ينقبض وملأت الدموع عيناي المندهشتان والمبهورتان أمام هذا التصرف الإنساني النبيل الذي يعجز المرء عن وصفه. كل هذا في صمت مطبق وقد كمم تصرف هذه السيدة أفواه الجميع بعدما انتصر الإحساس والقلب والحب على العقل والعضلات. وجد الشاب المندفع بيفاعة الشباب واستعراض مؤهلاته البدنية في موقع حرج جدا، لم يجد بدا من طلب السماح من السيدة مكفكفا دموعه هو أيضا تحت تصفيقات الحضور والمسافرين...والله أعلم بالتغيير الذي سيرافق هذا الشاب، ربما سيكون حادثا يرسم طريقة عيشه ويغير حياته إيجابيا وإلى الأبد.
تابعت طريقي وكأني أمشي على سطح الماء أو أن فوق رأسي طائرا وآلاف الأفكار تتضارب وتتنافس بداخلي، وفي لحظة أسرع من البرق تساءلت:
ما معنى أن تكون متسامحا؟
من الصعب الإجابة على هذا السؤال بسهولة بعد معاينة هذا السلوك الراقي.ما أعظمك أيها الإنسان، هي الجملة التي رافقتني وهي تدق كالمطرقة في ذهني معلنة مجيء وانتصار شق الخير في هذا الكائن الانساني العجيب إذا ما انتصر على نفسه الأمارة بالسوء، ونفس وما سواها...
أن تكون متسامحا هو أن تتفهم أحيانا وتتقبل أحيانا أخرى الآخر دون أن تكون لا قاضيا ولا ماقتا.تكون في هذه اللحظة في حالة تأمل، وإن لم يسعفك الحظ كن على الأقل متفرجا دون إصدار أحكام غيبية. وإن لم تستطع لا هذا ولا ذاك، تابع طريقك ومشوارك مرددا"قد أكون أنا مكانه".
أدركت بعد هذه الواقعة أن المتسامح بقدر ما يعتلي منبر العطاء، يتواجد خاصة في مقام الأخذ. فهو يأخذ أكثر مما يعطي. لقد كانت تلك السيدة في موقع العطاء بدون أدنى شك بما جادت به من تصرف وإحساس نبيلين. أما معظمنا نحن الحاضرون استفدنا وشربنا حتى ارتوينا من هذا الدرس الذي لا يعادله ألف بل مليون خطبة جمعية من خطبنا الجوفاء الخاوية من الروح بل خالية حتى من القيم الإنسانية أحيانا ولو رافقتها الآي والأحاديث وترغيب وترهيب، و تأنيب وتمجيد.
عندما يقف الواحد منا موقف الحياد في مشهد من المشاهد، ويضع نفسه في الموقف ذاته بصدق يشكر فيه الله سبحانه الذي عافاه مما ابتلى به غيره، لن يبقى بحوزته سوى الدخول في عملية تقييمية لنفسه وذاته،يبدأ فيها رحلته الشاقة المضنية، رحلة مظلمة لا يضيئ طريقها سوى تقييم وتصحيح لمسار أخلاقه وسلوكياته.
لماذا؟
لأن ما نشاهده عند الآخر هو شيئ كامن فينا، موجود بداخلنا ونائم في احشائنا. هو فقط غير ظاهر لظروف إجتماعية واقتصادية ونفسية...الظروف المتعددة لم تسنح بظهوره فتجعلنا أمام مأزق حقيقي ومعركة حقيقية. هذه المعركة التي لم ندخلها بعدُ، وقد ننتصر فيها دون الدخول في معمعانها والفضل يعود فيها لذلك الذي رأيناه لأول مهلة "مذنبا" فهل بعد هذه الاستفادة وهذا الأخذ وهذا السخاء يمنه علينا هذا «المذنب» من سخاء؟ وهذه التجربة المعركة إن خضناها لا نضمن نتيجتها ولا عواقبها.

من هنا فهمت أن التسامح أخذ منه أكثر منه عطاء. فالسيدة المعطاءة الضحية غيرت بكلمات نذيرة جلادها من موقع العطاء، وجعلت المشاهدين الحاضرين متسامحين في موقع الأخذ وصدق الحق سبحانه العالم بأسرار النفس (ومثل كلمة طيبة كشجرة طيبة تؤتي أكلها). وما أجمل وأحلى هذه الثمار التي تولد وتنضج في لحظات قليلة. وهذا أظنه جانبا من جوانب فلسفة الابتلاء الذي نسأل الله دائما ان لا يبتلينا بما لا نطيق ولا تتحمله الأنفس لأن النتيجة ليست محسومة مسبقا مهما احسنّا الظن بأنفسنا، ولهذا الأولى هو إحسان الظن بالله سائلينه سبحانه أن لا يكلنا إلى أنفسنا طرفة عين فنعجز. وأول درس يستخلصه المتسامح هو وعيه بضعفه.

محمد حراك
باريس 23 مارس 2019




135 قراءة

الشيخ إمام : فاليري جيسكار ديستان..
فاليري جيسكار ديستان والست بتاعه كمان ح يجيب الديب من ديله ويشبع كل جعان يا ..
الشيخ إمام..


أمل دنقل : « لا تصالح »..
- نبذة عن الشــاعر أمل دنــقل : ولد في عام 1940 بقرية "القلعة"، مركز "قفط" ؛ ..
أمل دنقل..


قصص من التاريخ ..
نكت وقصص السلطة - اجمل واغرب القصص والروايات من التاريخ |روائع نزيه الاحدب|فوق ا..
نزيه الأحدب..


التسامح بين الأخذ والعطاء وفلسفةالابتلاء..
في زحمة المواصلات الباريسية صباح يوم الجمعة 22 مارس 2019 للميلاد تسلق الشاب بصعو..
محمد حراك..


Transes chromatiques..
Entre deux rives Un roseau orphelin Rhizome enseveli Feuilles en berne Entre..
عبدالحليــم ..


واد كيس وتزويد أحفير بالماء من بداية الق..
أحفير (مارتانبري دو كيس) وواد كيس وضخ المياه من النهر ودفعه إلى حوض الثكنة (خزان..
عبدالحليــم ..


قدماء تلاميذ مدرسة أبي العلاء المعري: م..
في إطار عملية تدوين ونشر فيديوهات قدماء تلاميذ مدرسة أبي العلاء المعري، أضع بين ..
عبدالحليــم ..




التعليقات خاصة بالمسجلين في الموقع، تفضل بالتسجيل إن كنت ترغب في ذلك

تـسـجـيـل

إسم الدخول  
كلمة السـر  




© 2019 - ahfir.eu
ici.ahfir@gmail.com

حقوق النشر محفوظة : يجب احترام حقوق الطبع والنشر. إتصـل بالمـوقع قبـل نسخ مقـال, صـورة أو شـريط
المقالات و التعليقات تعبر عن آراء أصحابها و ليست أحفـــير أوروبــا مسؤولة عن مضامينها

شـروط إستخدام الموقع